شهرزاد ترفض المقاس «38»



د.عبد الرحيم العطري



الإثنين 30 نوفمبر 2015.. الساعة العاشرة صباحاً... مُنشغلٌ بإدخال آخر اللّمسات على كتاب حول «قرابة الملح»، أحاول ممارسة طقس الإهداء.. يرنّ الهاتف وتتقاطر الرسائل النصيّة القصيرة... قادمة من الأحبّة: إدريس بنسعيد، المختار الهراس، مصطفى محسن، عمر بنعياش، أحمد شراك، محمد مصباح، إدريس القري... الخبر فجائعي ومؤلم... الرائعة للا فاطمة المرنيسي في ذمة الله.. «إِنَّا لِله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ».

تحضرني اللقاءات التأطيرية ببيتها الكائن بأكدال بالرباط.. اتصالاتها الهاتفية.. تشجيعاتها المتواصلة.. حضورها الوازن لحفل مناقشة أطروحتي لنيل الدكتوراه.. انتصارها الدائم لثقافة الاعتراف.. تضيق العبارةُ وتتسع الرؤيةُ.. رؤيةُ مُنجزٍ أصيلٍ لعالمةِ اجتماعٍ فوق العادة... فإليك أستاذتي الجليلة الدكتورة فاطمة المرنيسي، إلى روح طيبة واستثنائية، تدمن الحب وصناعة الخير والجمال.. شكراً لدروسك العميقة.. شكراً من شغاف القلب.. إليك أُهدي عملاً عن «قرابة الملح» وأنت التي علّمتني «قرابة المعنى».

تحضرني حكايتها مع المقاس 38، والذي يبدو أنه يتسرّب من اللباس إلى المأكل وإلى باقي الفعاليات الاجتماعية، على درب التنميط وتعزيز ثقافة الحريم، تقول بكل امتلاء: «فجأة أضاء لي لغز الحريم الأوروبي، في ذلك الهيكل الاستهلاكي المتمثل في متجر نيويوركي كبير، عندما أعلنت البائعة أنها لا تملك لي تنورة مناسبة لأن كتفي عريضتان جدّاً.

في كل هذا المتجر، الذي يفوق بمئة مرّة بازار إسطنبول، لا توجد تنورة تناسبني؟ لا شك أنك تمزحين! شككت في أن تكون هذه الشخصية المتأنقة كسولة. هذا أمر يمكنني فهمه. ولكنها تابعت في إلحاح: أنت ضخمة جدّاً.. أجبتها وقد صوبت إليها نظراتي: أنا ضخمة جدّاً قياساً إلى ماذا؟ لقد شعرت أن بيني وبينها خندقاً ثقافياً حقيقياً. وتابعت، متشجعة بنظراتي المتسائلة، وكأن صوتها يحمل فتوى: قياساً إلى المقاس 38. إن مقاس 36 و38 هو المقاس الأكثر تداولاً، أو لنقل إنه المقاس المثالي. المقاسات الخارجة عن النموذج، ولاسيّما مثل مقاسك، لا توجد إلّا في متاجر متخصّصة.

إنها المرّة الأولى التي أسمع فيها هراء كهذا. من قال إن الجميع يجب أن يكون مقاسه 38؟، قلت ذلك بشيء من السخرية، متعمدة تجاهل الرقم 36. نظرت إليّ البائعة في شيء من الاستغراب وتابعت قائلة: إن المقاس المثالي هو ما نجد في كل مكان، في المتاجر الكبرى، وفي التليفزيون، وفي الإشهارات... كل المتاجر تلتزم بالنموذج، ولو أنهم يبيعون المقاسات التي بين 46-48، إذن لأصابهم الإفلاس.

سألتني: من أي بلد أنت؟. في تلك اللحظة انتبهت إلى أنها في مثل عمري تقريباً، هي أقرب إلى الستين منها إلى الخمسين. غير أن لجسمها نحافة صبيّة في السادسة عشرة من عمرها.. كأنها تلميذة.. أجبتها: أنا من بلد ليس للثياب فيها مقاس مُحدّد. أشتري القماش، ثم إن الخياطة أو العاملة المجاورة تخيط لي التنورة أو الجلابة التي أريد. لا نعرف مقاسي، لا هي ولا أنا. في المغرب، لا أحد يهتم بذلك، ما دمت أدفع الضرائب. بالفعل، لا أستطيع أن أدلّك على مقاسي. إنني أجهل ذلك تماماً.

سألتني: أتريدين القول ببساطة إنك لا تـَـزِنين نفسك؟ هنا، فقد عدد من النساء عملهن بسبب ذلك. لقد كانت تمزح، ولكن ملاحظتها كانت تخفي حقيقة مرعبة. لقد كان سوط الحقيقة يجلدني: إن المقاس 38 يمثل قيداً أشرس من أثخن نقاب... إن الأسلحة التي يستعملها الرجال ضد النساء في الغرب غير مرئية.. إنهم لا يلزمون أي امرأة على التشكُّل بالصورة المثالية، ولا أن تلبس المقاس 38».

شهرزاد ترحل إلى الغرب، هذا ما تشدّد عليه المرنيسي، فليس هناك من سجل ثقافي محصّن ضد ثقافة الحريم، لهذا آثرت أن تنافح عن كرامة تاء التأنيث من مدخل العلم بدل السياسة، وإن كان الانتماء إلى هكذا صف، في مجتمع فائق الذكورية، لابد وأن يكون له ثمن، يؤديه المرء، تهميشاً وتبخيساً ومنعاً وهدراً للدم، أو في أبسط الحالات «حقداً» أعمى من طرف زملاء الحرفة، لكن ما يجعل المرء ينتشي أخيراً، ويتحرّر من آلام «ضريبة النجاح» هو الاعتراف بصيغة «العالمية»، ولو جاء متأخراً، ومن توقيع «الآخر». ففي سنة 2003 سيأتي هذا الاعتراف من الضفة الأخرى، في صيغة جائزة أستورياس للآداب في إسبانيا، والتي أحرزتها المرنيسي مناصفة مع الكاتبة الأميركية سوزان سونتاغ.

لقد منحت الكلمة لنساء في الظِلّ، لأصوات من الهامش، لمن لا صوت له أصلاً، من القرية و«الموقف» والمعمل والرصيف والبيت، لمواطنات من الدرجة الثانية لم يسألن من قبل، عما يعتمل في أعماقهن، وما يرغبن أو لا يرغبن فيه، حينها ستكتشف فاطمة المرنيسي حيوات أخرى جديرة بالتأمل والتحليل السوسيولوجي.

لنقرأ حاصل هذه المقابلات في «نساء الغرب» و«المغرب عبر نسائه»، فيما ستتعرّض أعمال أخرى للمنع، بالمباشر وغير المباشر، تماماً كما هو الأمر مع «الحريم السياسي: النبي والنساء» و«الحجاب والنخبة الذكورية»، فضلاً عن أطروحتها «الجنس كهندسة اجتماعية».

فاطمة المرنيسي، وخلافاً لما يروّجه عنها أصحاب القراءات المُتسّرعة، لم تكنْ يوماً ضد الإسلام، إنها تناضل وتفكّر معرفياً من داخل النسق الثقافي الإسلامي، الذي تعتبر أنه أعطى المرأة مكانة مائزة، يتوجّب العمل باستمرار على استعادتها، حتى لا تظلّ ثقافة الحريم والاستعباد هي المسيطرة مغربياً وعربياً. ذلك أن تفكيرها في قضايا المرأة هو احتجاج علمي على ذات القراءات والكتابات التي لا تتمثل المرأة ما بين المحيط والخليج، إلّا كحجاب وحريم وتحريم، فيما هي تاريخياً وواقعياً أكبر بكثير من هذه النظرة الاختزالية. فالنساء في العالم العربي برأيها هن «وقود لكثير من التداعيات السلبية في غالب القضايا المعاصرة، وهن طرف المعادلة الخاسر دائماً، بالرغم من التركة الأخلاقية الغابرة للمجتمعات العربية المسلمة».

لهذا ما تنفك تؤكد أنه«لن يولد المجتمع العربي، كمجتمع معرفة، يتكيّف مع المجرات ودقائق التقنية الحديثة، ما لم يتح للمرأة أن تتعلّم، وتشارك في صنع القرار، وتنسج أفكارها حول شبكات البث الإلكتروني، مثلما كانت الجدات تحيك بتلقائية آلاف الأزهار الهندسية فوق السجاجيد».

أي نعم.. رحلت فاطمة المرنيسي، لكن الأثر والرمز باق لا يموت، فالبقاء للأثر، ومن يترك أعمالاً دالة لا يرحل، إنه مستمر في الحضور، يخلخل الجاهز من أفكار، ويدعو باستمرار إلى الخروج من المقاسات المنطمة. إنها من خلال حكايتها مع المقاس 38، تدعونا إضماراً وإعلاناً إلى وجوب تثوير الفكر وإنتاج اليقظ من أسئلة بصدد الحال والمآل. فلا بد من الخروج من العلبة لاكتشاف ضوء العالم، وتلمُّس طريق المعرفة.

لا يهم أن نجني اعترافات وأرباحاً رمزية ومادية في الحياة قبل الممات، ما يهم هو ما نتركه وراءنا عندما نغادر هذا العالم، ما يهم فعلاً هو ما نكتبه من معنى في سياقات مُتعدّدة، إنه الشاهد على مرورنا من هذي الدروب، إنه الدليل الذي يُخلّد الذوات ويُحيل الغياب حضوراً ضداً على الموت، هكذا كانت تؤسّس نظرتها إلى الكون وتقول كلمتها وتمضي، دون أن تكون عابرة، إنها فاطمة المرنيسي المغربية البسيطة والمعتقة، الرافضة لمقاس 38.