في مغسلة الأموات

صنعاء: وجدي الأهدل



رائحة المكان تعبق بالكافور، وهذه الرائحة تفرض حضورها، وتنقلك لمسافة غير محسوبة خارج السياق العام للحياة، رغم أن الأمرَ لم يتجاوز سوى خطوة واحدة لعبور الباب.

المرأة العجوز التي تُغَسِّلُ النساءَ تُرى سافرة الوجه، وهذا أمرٌ نادر الحدوث في اليمن، وبالأخص لأن المغسلة تقع داخل حرم الجامع.. لعلّها تعرّضت للتقريع أو «النصح»، ولكنها لم تأبه لأحد. وجهها يُبدي فوراً السلام الداخلي الذي توصّلت إليه. شيء ما يُشرق بلطف.

كانت عندي تصوّرات مسبقة عن هؤلاء النساء والرجال الذين يعملون في هذه المهنة التي ينفر منها الجميع، وفي ظني أنهم لابد أن يكونوا على درجة من جمود المشاعر، وقوة الطباع، وقدرة على التحمُّل تفوق ما لدى الإنسان العادي. أي أنهم باختصار مخلوقون من جِبلّة قاسية كقساوة الصخر. لكن هذه المرأة العجوز بدّدت كل تلك التصوّرات والظنون الخاطئة، لأن صحبتها الطويلة مع الزميل (الموت) صيّرتها إنساناً أكثر شفافية وطيبة من كل الأحياء الذين تحتك بهم، وهذا العمل الذي تقوم به منحها الطاقة لمحبة البشر، كل البشر.

بجوار النعش لاحظت سريراً عليه وسادة وبطانية فسألتها:

§ هل تنامين هنا؟

رفعت رأسها وعدّلت نظارتها الطبيّة:

- نعم، أنا أسكن هنا.

قلت مندهشاً للغاية:

§ولكن أليس لكِ مسكن غير هذا؟!

- تركتُ السكن مع أولادي منذ عشر سنوات، لقد كبروا وما عادوا بحاجة إليّ، أنا هنا مرتاحة أكثر.

§ ألا يصدف أحياناً أن يُؤجّل الدفن إلى اليوم التالي.. فكيف تُغمضين عينيك وبجوارك جثة.. ألا تخافين؟

ضحكت ضحكة صافية:

- الموت أنيسي، لقد اطمأنت نفسي إليه فاطمأن إليّ، لم تعد بيني وبينه وحشة، بل عِشرة.

§ أفهم أنكِ تعانين من الوحدة إذا خَلَتْ هذه الحجرة من ميتة تنام بجوارك؟

- الأجساد التي تصل إلى هنا لم تعد تخصّ أصحابها، لقد غادروها، وأخلوا مكانهم لكائن واحد لا يتبدّل.. إنني أحس بحضوره كما أراك أمامي، إنه حيادي، ليس مؤذياً، ولا يمكن أبداً أن يُضمر الشر لأيّ أحد، لذلك خوف البشر منه ليس صحيحاً بالمرّة.

§ ألا تشعرين أحياناً بحضور الأرواح؟ الناس يعتقدون أن بعض الأرواح تبقى مُتعلّقة بأجسادها أو تشعر بالحنين إلى أحبائها من الأحياء؟

- لقد غسّلت آلاف النساء ولم أشعر مطلقاً بأي شيء مما تقول، إلّا إذا كنتم أنتم الرجال تختلفون عنّا!

جلتُ ببصري في أرجاء الغرفة المتقشّفة:

- ليس لديك هنا تليفزيون ولا راديو، كيف تقضين وقتك؟

- أقضي وقتي في الصلاة والتلاوة والاستغفار.

- هذه حياة صعبة، أقصد تخلو من النشاط الاجتماعي.

- من قال لك إنني لست اجتماعية؟؟ بسبب عملي أنا أختلط كل يوم بوجوه جديدة، ولدي صديقات كثيرات جداً يأتين لزيارتي في كل الأوقات، وأنت نفسك عندما بحثت عني وجدتني وسط حلقة كبيرة من نساء الحارة.

كلامها صحيح، فناء الجامع واسع ويضمّ العديد من المرافق الخيرية، وكما يبدو فإنها محبوبة من الجميع، ولها ركن خاص تقضي فيه أوقاتاً للحديث مع زائراتها، وأيّ واحد من المصلين المترددين على الجامع تسأله عنها يدلّك بسرعة إلى موضعها الدائم الذي لا تغيّره.

انتبهتُ إلى أنني أخذت الكثير من وقتها، وقياساً على ذلك ولأن وفود الرجال والنساء لا تنقطع عنها لا بليل ولا نهار وبصحبتهم أطفالهم بصخبهم وضجيجهم فإن سؤالي كان ساذجاً، إذ هي تتحمّل بصبر الإجابة عن كل سؤال، ومواساة القلوب الحزينة، وقول الكلمات المناسبة لتطييب الخواطر، وطلبها الحثيث الذي لا يكل إلى كل من حضر على توديع الميت ومسامحته.

سألتها وفضولي يدفعني لاقتحام حياتها الخاصة:

§ ماذا عن أولادك، متى تزورينهم؟

- متى وجدت فرصة ذهبت لرؤيتهم ورؤية أحفادي، هم أيضاً لا ينقطعون عن زيارتي.

§ هل لديك هاتف محمول؟

- لا.

§ هل طلب منك أحدهم ترك هذا العمل؟

صمتت وشردت نظرتها، ردّت بعد تفكير:

- أصابع اليد ليست متساوية، أنا نهضت إلى هذا العمل طلباً للأجر من الله.. ولا يهمني بعد ذلك أيّ شيء.

تكدّر صفاء وجهها وبدا أنني ضايقتها بسؤالي الفظ، وهو كذلك حقاً، فأخبرتها شيئاً عن نفسي لتغيير الموضوع:

- أنا من الأشخاص الذين يخافون من الأموات، وأرتعب من رؤيتهم، ولا أُشارك في تشييع الجنازات، وأتجنّب حضور مجالس العزاء.

ثبّتت نظرتها في عينيّ:

- مخطئ.. أنت تخاف من الموت لأنك لا تعرفه، ولو عرفته لاكتشفت أنه بمثابة صديق مخلص.. الحبيب الحقيقي للإنسان.

صمتُّ متأملاً أقوالها، تابعت قائلة:

- نحن في هذه الحياة نشبه طفلاً ضاع من أهله، فالموت هو أمنا وأبونا.

سمعتُ طنيناً قوياً في أُذنيّ، يقولون إن هذا هو صوت (الموت) صوت وقع خطواته. واصلت كلامها:

- من وجه الميت أعرف أحواله.. الذي يخاف من الموت يبدو وجهه قاتماً يحتاج للضوء وملامحه منقبضة.. وأما الذي لا يتهيّبه ولا يبغضه فيظهر وجهه منيراً كالبدر وملامحه منبسطة كالنائم في أحلى نومة.

قاطعنا رفع الأذان. وضعتُ نقوداً في كفها فردتها بإصرار، فتأكد لديّ أن النقود لم تعدّ تعني لها أيّ شيء. لم تكن ترتدي حلياً ولا خواتم، حليتها الوحيدة مسبحة ذات حبات خضراء مُعلّقة على صدرها.

لا تقرب القّات أو السجائر، وتعاف أكل اللحم. ومتعتها في شرب الشاي الذي يصلها الكثير منه من البيوت المجاورة.

لا تعاني من أية أمراض، أسنانها سليمة، نحيلة دون ضعف، ونشيطة كنحلة، ويعجز المرء عن تقدير عمرها.

إنها تدخل القلب مباشرة وتُربّت عليه مواسية، وتشعر بها قريبة دون حواجز. لقد أزالت الأسوار التي تفصل البشر بعضهم عن بعض.

طبيعتها الشخصية يمكن اختزالها في كلمة واحدة «الألفة». وهي كما أعتقد الشيء الذي اختفى تماماً من تكوين شخصية الإنسان المعاصر.