رولان بارث .. من الدرجة الصفر.. إلى لذة النص

في الثاني عشر من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي حلّت الذكرى المئوية لميلاد رولان بارث «1915 - 1980» أحد أكبر القامات الأدبيّة والنقديّة الفرنسية والعالمية في القرن العشرين.. «الدوحة تابعت الحدث في حينه»، وفي ما يلي عودة مفصلة نقدّم من خلالها مجموعة من الملاحظات بصدد تجربة بارث الأدبيّة والنقديّة على أن نتبع ذلك بكرونولوجيا موجزة بأهم المحطات التي تخلّلت حياته إنساناً ومفكّراً وأستاذاً عاش عصره بكامل الامتلاء والصميمية.



حسن بحراوي



تستوقفنا في تجربة رولان بارث جملة من الثوابت لا يتغيّر سوى مظهرها الخارجي بينما تحافظ على نسقها العام وعمقها المحوري.. وأولها ما كان قد دعا إليه في وقت مبكر من موت للمؤلّف مقابل إحياء الاهتمام بالنصّ.. وقد قصد بهذه الدعوة إلى الانتفاض على التقاليد النقديّة الرائجة في الأوساط الأكاديمية من اتخاذ المؤلّف المفتاح الأول والأخير للعمل الأدبي.. وبالنسبة لبارث فالعكس هو الصحيح، ذلك أن العمل هو الذي ينبغي أن يقودنا إلى المؤلّف ويضيء لنا جوانب فكره وسيرته.. على أن هذا الموقف آتياً من بارث لا يمثل عقيدة ثابتة لا تتغيّر وإنها هو على الأرجح وسيلة إلى زعزعة اليقينيات على نحو متواصل حتى لا نسقط في ميتافيزيقا جديدة لا تفيد النظر الأدبي في شيء..

هناك أيضاً ما نلاحظه على بارث من تعدُّد مفرط في الاهتمامات واختلاف في الانشغالات الفكريّة والأكاديمية.. وانعكاس ذلك بالتالي على إنتاجاته في تنوّعها وتباين مجالاتها. فهو في نفس الوقت أستاذ جامعي وناقد أدبي وعالم سيميولوجي وفيلسوف ومثقف ملتزم وهلم جرا.. وبالفعل فرولان بارث كان مسكوناً على الدوام بهاجس عدم الانحصار في نطاق محدود من التفكير والتعبير.. وهو الهاجس الذي كان يشترك معه فيه مجايلوه مثل سارتر وفوكو ودولوز الذين وسّعوا باستمرار من دوائر انشغالهم حتى بات من الصعب تصنيفهم في خانة مُحدّدة دون السقوط في التعميم المخل.. وقد كان بارث واعياً بأهمية قهر الحدود والحواجز بين التخصّصات والاهتمامات ويرى بأن بوسع الكاتب في النصف الثاني من القرن العشرين أن يكون في نفس الوقت أستاذاً ومثقفاً وفيلسوفاً ومناضلاً ضد التقاليد البالية في الجامعة والصحافة والأوساط المثقفة.. إلخ. وقد زاد بارث على ذلك بأنه كان أيضاً موسيقياً ورساماً وناقداً مسرحياً..

من الأسئلة الأخرى التي تصادفنا في أثناء الحديث عن بارث سؤال الالتزام السياسي.. فهل كان الرجل منتمياً إلى تيار أيديولوجي معلوم؟ أم أنه كان يقتصر على التعاطف والمؤازرة البعيدة..؟ لقد تشبّع بارث في شبابه بالماركسية ذات المنزع التروتسكي عبر صديقه الكاتب اليساري المعروف موريس نادو.. غير أنها ماركسية ذات أبعاد ثقافية وأدبية في المقام الأول أي نوع من الأرستقراطية الماركسية الطليعية.. النخبوية بالضرورة.. ومن ثَمّ البعيدة عن المجال السياسي المباشر كما مارسها سارتر مثلاً من خلال انتمائه للحزب الشيوعي.

أما السؤال الأساسي لبارث فيتمركز حول الكتابة.. ليس من حيث جدواها أو الفائدة المتوخاة منها، كما طرح ذلك سارتر في كتابه «ما الأدب»؟.. بل من جهة إمكانية الكتابة ذاتها.. ذلك أنه ظَلّ يعتقد، على الأقلّ منذ «درجة الصفر في الكتابة 1953»، بأن الأدب قد مات وأننا بحاجة إلى مرحلة جذرية من الحداد أو على الأقلّ من تفكيك ميكانيزماته القائمة من أجل التمكن من ولوج مرحلة الكتابة بمعناها الخاص.. ولَعلّ هذا التوتر بين الحاجة إلى الكتابة وثقل الاعتقاد بموت الأدب هو ما يحدّد مشروع بارث على نحو أفضل. وربما لهذه الغاية كرّس السنتين الأخيرتين من حياته لإعطاء درس في الكوليج دو فرانس في موضوع «كيفية إعداد رواية».. حيث أمضى بارث الأسبوع تلو الآخر في تقريب الطلاب من خلق الوسائل غير المباشرة القادرة على إنتاج الرواية.. أي وضعهم عملياً على الطريق الصحيح لاجتراح مسافة الكتابة.

كرونولوجيا

كان بارث قد رأى النور قبل مئة عام في إحدى الإقامات العسكرية بمنطقة شيربورغ من أب اسمه لويس يعمل ضابطاً في البحرية التجارية سيموت في السنة الموالية في إحدى معارك الحرب العالمية الأولى ببحر الشمال، ووالدة ربة بيت اسمها هنرييت سوف تتولّى تربيته بمساعدة أختها التي ستعلّمه العزف على البيانو.. بانتقاله سنة 1924 إلى الإقامة في باريس سيلتحق رولان الصغير بثانوية مونتان ليتلقى تعليمه الإعدادي ثم الثانوي، حيث سيشكّل مع رفاق دراسته في قسم الباكالوريا «المجموعة الجمهورية لمقاومة الفاشية».. وقبل أن يبلغ العشرين من عمره ستبدأ رحلته مع مرض التهاب الرئة التعفني الذي سيلازمه طوال حياته.. في سنة 1935 سيلتحق بجامعة السوربون لدراسة الآداب الكلاسيكية القديمة وهناك سينشئ مع بعض أصدقائه فرقة السوربون للمسرح القديم التي سيقوم معها برحلة إلى اليونان في صيف 1938 للوقوف على آثار الإغريق الذين كانوا يمثلون مسرحياتهم..

مع بداية الحرب العالمية الثانية سيعيّن رولان بارث أستاذاً للثانوي في مدينة بياريتز ثم في باريس وسيواصل عشقه القديم للموسيقى بالانتظام في معهد لتعلّم الغناء الأوبرالي.. وخلال سنة 1941 سيدافع في جامعة السوربون عن أطروحته لنيل دبلوم الدراسات العليا في موضوع التراجيديا اليونانية.. لكن  فرحته لن تطول لأن المرض سيعاوده من جديد وسيخضع لعلاج طويل المدى في مصحات خارج باريس، حيث كان السل ينال في كل مرّة من إحدى رئتيه الضعيفتين.. وخلال فترة النقاهة الطويلة تلك سيتفرغ بارث لقراءة أعمال المؤرخ والكاتب الفرنسي جول ميشلي مما سيحفّزه على تسجيل أطروحته للدكتوراه في السوربون في موضوع يخصّ هذا الكاتب العملاق..

النصف الثاني من الأربعينيات سوف يشهد مجموعة من الوقائع المهمة في حياة بارث أهمها لقاؤه بالكاتب موريس نادو، الذي سيفتح له صفحات مجلته «كومبا» ويدعوه إلى مواظبة الكتابة فيها.. كما سيتمّ تعيينه قيّماً على مكتبة المعهد الفرنسي ببوخارست ثم أستاذاً فيه.. بعد ذلك سيصير ملحقاً ثقافياً في العاصمة الرومانية..وابتداء من 1949 سيعيّن في منصب معيد بجامعة الإسكندرية، حيث سيرتبط بصداقة مع عالم اللغة الأشهر ألجرداس جوليان غريماس، الذي كان يقضي فترة زمالة في مصر.. وهناك على ضفاف البحر الأبيض المتوسط سيواصل العمل على كتابه الأول وباكورة إنتاجه «درجة الصفر في الكتابة» الذي سيظهر في منشورات لوسوي سنة 1953.. وفي هذا الكتاب ينظر بارث للأدب ككائن مُحايد مُهدّد على الدوام بعودة المعنى كشيء قدري..وفيه يطرح لأول مرّة مسألة الكتابة التي ستلازم تفكيره من الآن فصاعداً ويقوم بتحليل نُظمها وتفكيك مكوّناتها..

بداية الخمسينيات ستشهد إلحاقه بإدارة العلاقات الثقافية في وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية ويقوم بنشر دراسته المهمة «ميشلي: تاريخه ومماته» في عدد إبريل/نيسان 1951 من مجلة «إسبري»، كما سيواصل نشر بحوثه في مجلة كومبا.. بعد ذلك سيلتحق بالعمل كمتدرّب في قسم المعجميات بالمركز الوطني للبحث العلمي بباريس وهو أعلى هيئة أكاديمية في فرنسا.. وتنشر له مجلة إسبري الفصول الأولى من كتابه «أسطوريات» ومجلة «الآداب الجديدة» دراساته النقدية حول المسرح قبل أن يقوم في ربيع 1953 بإنشاء مجلة «المسرح الشعبي» برفقة زميله روبير فوزان..

في سنة 1955 سينشر مقالة حول رواية «الطاعون» لألبير كامو تحت عنوان «حوليات وباء: رواية للعزلة»، لكنها لم تعجب الروائي فدخل معه في نقاش أدبي طويل.. وفي السنة نفسها سيتعرّف على الفيلسوف ميشيل فوكو.. ويعيّن كباحث ملحق بالمركز الوطني للبحث العلمي في مادة السوسيولوجيا.. ويؤسس مجلة فكرية بصحبة الفيلسوف إدغار موران.. سنة 1957 ستظهر الطبعة الأولى لكتابه «أسطوريات»، الذي سيضع مؤلفه بغير رجعة في مصاف المثقفين الانقلابيين الذين يكشفون المخبوء ويفضحون المستور في الذاكرة البشرية الماكرة.. 

سنة 1960 ستشهد تعيينه مديراً للأبحاث ثم رئيساً للدراسات في سوسيولوجيا العلامات بالمدرسة التطبيقية للدراسات العليا.. وسينشر في 1963 عمله المثير للجدل «حول راسين» الذي ستقوم في أعقاب صدوره قائمة طائفة الجامعيين الكلاسيكيين الذين سيتصدّون لنقده، بل لتجريحه ويظهر في الردّ عليه كتاب لرايمون بيكار  تحت عنوان «نقد جديد أم خداع جديد 1965».. وكان موضع الخلاف بين الطرفين أن بارث في رأيهم قد ألّف كتاباً له مظهر النقد الجامعي من دون أن يقدّم أقلّ معرفة للقارئ حول تراجيديات راسين..

وخلال هذه الحقبة ستربطه صداقة مع الروائيين الفرنسيين الطليعيين كلود سيمون وفيليب سوليرس.. وهذا الأخير سيحتضنه في مجلته ذائعة الصيت المسماة «تيل كيل» ويقوم بتكريمه وإصدار عدد خاص حول تجربته الاستثنائية.. ثم في السنة الموالية سينشر بارث كتابه «مقالات نقدية 1964» الذي سيكون بدوره علامة فارقة في النقد الفرنسي خلال الستينيات وما تلاها.. وبنشره هذا الكتاب الذي يضمّ نصوصاً نشرها بارث في عِدّة مجلات سيزيد من تأليب الجامعيين ضد مشروعه لتجديد المقاربة النقديّة للعمل الأدبي، خاصة عن طريق تمييزه بين مفهومي «الكُتاب» و«الكَتبة» وتحمّسه لبعض تصوّرات الألماني بريشت حول المسرح..

في سنة 1966 سيصدر كتابه «النقد والحقيقة» كمساهمة منه في النقد الجديد.. وهو الكتاب الذي طالما اُعتُبر بمثابة بيان لهذا التيار النقدي الذي تولّى بارث الردّ فيه على الهجومات التي ظَلّ يتعرّض لها منذ صدور كتابه «حول راسين» سنة 1963..وفيه يدافع كذلك عن فكرته حول الأدب بوصفه «علماً» مما زاد في ابتعاده عن روح الجامعة التقليدية.

وفي السنة الموالية سيسافر بارث إلى إيطاليا ويتعرّف إلى الروائيين كالفينو ومورافيا والسينمائي بازوليني.. ومنها يسافر إلى اليابان في رحلة تاريخية أولى ستتلوها أخريات ستؤثر على مساره الأدبي وتثمر كتاباً في السيميائيات بعنوان «نظام الموضة 1967».. ثم يُنشئ مجلة «لاكانزين ليتيرير» إلى جانب الكاتب المكرّس أدبياً وأيديولوجياً: موريس نادو.. غير أنه في سنة 1968 سيتابع من بعيد، ولكن بتعاطف ملحوظ المظاهرات الطلابية لماي 68..

سيقضي الموسم الدراسي لسنة 1969 أستاذاً زائراً في جامعة محمد الخامس بالرباط بالمغرب.. وستشهد سنة 1970 نشره لكتابين أساسيين هما «Z/S» في نقد السرد الأدبي و«إمبراطورية العلامات» في البحث السيميائي.. وقد ألّف هذا الكتاب الأخير في أعقاب رحلة ثانية قام بها لليابان الذي اُفتتن بحضارته واعتبره بلد الكتابة بامتياز وهو يتوقّف فيه بإعجاب متزايد أمام فن الهايكو الشعري الذي أذهله ببساطته وغموضه في نفس الوقت.

وستكون سنة 1973 موعد صدور كتابه الاستثنائي «لذة النص»، حيث سيأخذ بارث على عاتقه بيان الطاقة الرمزية اللانهائية للنص وهو يحرّر نفسه من القيود والإكراهات، وحيث تصير قراءة النص عنده بمثابة نشاط لغوي في المقام الأول وتكون غايتها هي العثور على المعاني.. كما سينخرط خلال هذه الحقبة في فنّي الرسم والتصوير اللذين ظَلّ حتى الآن يمارسهما بطريقة محتشمة..

كما سيقوم بزيارة استكشافية للصين الخارجة لتوها من الثورة الثقافية ستثمر مقالاً مثيراً ستنشره له جريدة لوموند الفرنسية.. وسنة 1975 سيصدر كتاب «رولان بارث بقلمه» ضمن سلسلة «كُتّاب خالدون» يقدّم فيه الكاتب نفسه بطريقة فريدة للقرّاء عبر استعراض عناصر فكره الأدبي ومنجزاته النقدية التي تلتقي عند الحلم بعالم معفى من المعنى وغياب الدلالات التي يروّج لها المثقفون مع أنها في رأيه تتعارض مع الواقع، بل وتناهضه.

وفي بحر سنة 1976 سيقوم الفيلسوف ميشيل فوكو باقتراحه لكرسي الأستاذية في الكوليج دو فرانس في مادة «السيميولوجيا الأدبية» وهي المادة الحداثية، بل الانقلابية التي ستقتحم هذه القلعة الأكاديمية الشامخة ضداً على الأصوات المحافظة والرجعية التي ظلّت تناصبه العداء في الحلّ والترحال.. وهناك سيُلقي في مستهل السنة الجامعية 1977 درساً افتتاحياً غير مسبوق تحت عنوان «كيف نعيش سوية: الرواية في الفضاء اليومي».. كما ستنشر دار لوسوي عمله المتحفي «شذرات من خطاب عاشق» الذي مثّل مدخلاً لبارث إلى الحصول على الاعتراف الإعلامي الواسع والنجاح الأدبي الساحق، حيث جاوزت مبيعاته في وقت وجيز المئة ألف نسخة.. ولَعلّ السر في ذلك هو نوعية الموضوع الطريف الذي عالجه وهو ما يشبه المعجم الألفبائي للحب ومنغّصاته حتى اعتبره البعض بمثابة مساهمة روائية منه.

وخلال هذه الفترة سترحل والدته عن عالمنا فيتأثر لذلك كثيراً ويشرع في تدوين يومياته الحزينة التي ستنشر بعد وفاته.. وستكون آخر الأعمال التي سيتولى نشرها قيد حياته كتابه الصغير، ولكن المركزي حول فن التصوير الفوتغرافي الذي أطلق عليه عنوان «الغرفة المنيرة».. وكانت مناسبة تأليفه هو أنه عاد بعد وفاة والدته التي ارتبط بها أشدّ الارتباط لتأمل صور ألبوم عائلته فأثار لديه ذلك مشاعر متناقضة حول الموت والحياة ودور التصوير الفوتوغرافي في تنسيب نظرتنا للذات وللآخر..

في يوم 25 فبراير/تشرين الثاني 1980 ستدهسه عربة أمام مقرّ الكوليج دو فرانس وسيرحل عن عالمنا يوم 26 مارس/آذار بعد إقامة قصيرة في المستشفى..